مصطفى لبيب عبد الغني

59

دور الزهراوي في تأسيس علم الجراحة

الساق وتورّم ورما عظيما ولم يكن سبب من خارج ثم تمادى به الزمان مع خطأ الأطباء حتى انفتح الورم وجرت منه موادّ كثيرة وأسيئ في علاجه حتى تزكمّ الساق وصارت فيه أفواه كثيرة كلها تمدّ القيح ورطوبات البدن فعالجه جماعة من الأطباء نحو عامين ولم يكن فيهم حاذق بصناعة اليد حتى قصدني . فرأيت ساقه والمواد تسيل من تلك الأفواه سيلانا عظيما والرجل قد نحل جسمه واصفر لونه ، فأدخلت المسبار في أحد تلك الأفواه فأفضى المسبار إلى العظم . ثم فتشت الأفواه كلها فوجدتها تفضى بعضها إلى بعض من جميع جهات الساق فبدرت فشققت على أحد تلك الأفواه حتى كشفت بعض العظم فوجدته فاسدا قد تأكل واسودّ وتعفّن وتثقّب حتى نفذت الثقب إلى المخ فنشرت ما انكشف لي وتمكن من العظم الفاسد وأنا أظن أن ليس في العظم غير ذلك الفساد الذي قطعت ونشرت وأنى قد أستأصلته ، ثم جعلت أجبر الجرح بالأدوية الملحمة مدّة أطول فلم يلتحم ثم عدت فكشفت عن العظم ثانية فوق الكشف الأول فوجدت الفساد متصلا بالعظم فنشرت ما ظهر لي أيضا من ذلك الفساد ، ثم رمت إجباره فلم ينجبر ولا التحم ثم كشفت عليه أيضا فلم أزل أقطع العظم جزءا جزءا وأروم جبره فلا ينجبر حتى قطعت من العظم نحو شبر وأخرجته بمخه ثم جبرته بالأدوية فالتحم سريعا وبرئ . وإنما وجب هذا التكرار في عمله وشقه لحالة ضعف العليل وقلة احتماله وخوفي عليه الموت لأنه كان يحدث له في كل الأوقات من إفراط الاستفراغ غشى ردئ فبرئ برءا تاما ونبت في موضع العظم لحم صلب وصلحت حاله في جسمه وتراجعت قوته وتصرّف في أحواله ولم تتعرّصه في المشي آفة تضرّ به البتة » . ( الفصل السادس والثمانون ، الباب الثاني : في علاج الزكام والناصور )